حسن حسني عبد الوهاب
69
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
" . . . لقد أتيحت لي أخيرا فرصة دراسة تيجان السواري عن كثب ، فتبيّنت سرعة تطورها إذ إن جميع السواري التي تعلو قبّتي مسجد الزيتونة إسلامية نحتا وشكلا ، ويظهر فيها مدى الابتكار الذي تولدت عنه جميع هذه التيجان تعبّر عن زهرة الاقنتا ( Acanthe ) " 1 " ولكن النّحات التونسي وضع وريقات هذه الزهرة على تيجانه بحيث تقف عند النّقط الأساسية من جسد التاج في وسطه وأطرافه ، ومع هذا فقد تنوّعت أشكال هذه الزهرة الواحدة ، فتارة يكون التاج من صفّ واحد من الورقات وتارة من صفين ، وبالرغم من تقارب أشكال الورقات واقتصارها على ثلاث فإن التنوّع ظاهر في امتدادها أو التفافها وفي انتعاشها وشموخها . " هذا الشكل من التيجان الذي نشأ في القيروان ونما في الزيتونة تطوّر تطورا شمل بلاد المغرب والأندلس ، وقد أثبت الأستاذ ( هوناندين ) أحد علماء الآثار الإسبانيين أن كثيرا من الكنائس والأديرة المسيحية في أوروبا في العصور الوسطى اشتقّت أصولها وشكلها من التيجان الإسلامية في الأندلس ، ولو أنه شاهد تيجان قباب الزيتونة لبان له الاشتقاق منها وأرجع الفضل إليها " . " . . . ويزداد هذا الرأي ثقة بأثر آخر من هذا النوع هو منبر جامع الزيتونة ، وإن كان أصغر حجما وشأنا من منبر القيروان فهو متّصل به ، متفرّع منه ، يشابهه حلية وصناعة ، يتكون منبر القيروان من مائتين واثنين وخمسين لوحة خشبية تنحصر كل منها في إطار زخرفي ، وتبقّى من منبر الزيتونة أربع وأربعون لوحة . . . " . حاولنا في الفصلين السالفين أن نلخّص للقارئ المهمّ من أخبار الجامعين العظيمين في البلاد التونسية ، منذ تأسيسهما ، وما طرأ عليهما بعد ذلك من التطورات الكبيرة في عمارتهما وما أدخل على هيكلهما من الزخارف الفنية ، ومتى ابتدأت مزاولة العلوم الإسلامية في أرجائهما ، هذا مع اعتقادنا الراسخ أن ما تيسّر لنا جمعه من أحداثهما هو أقل من القليل بالنسبة لمكانة هذين المعلمين المباركين في الحياة الثقافية الإفريقية ، وما أتيح لهما من التأثير الكبير في نشر المبادئ
--> ( 1 ) الاقنتا ( Acanthe ) نبت يعرف في المشرق باسم ( شوكة اليهودي ) و ( بالكنكر ) له ورقة عريضة جميلة كثيرا ما يمثلها النحاتون القدماء في تيجان السواري لبهاء منظرها .